إدارة الكوارث والأمان الوهمي
إدارة الكوارث والأمان الوهمي
تركي فيصل الرشيد
يقود الانتشار السريع لمرض أنفلونزا الخنازير وتأكيد كبير الأطباء الحكوميين في بريطانيا أن انتشار الوباء صار محتوما تقريبا، وإعلان مارجريت تشان مديرة منظمة الصحة العالمية أن المنظمة قررت رفع حالة التأهب لمواجهة انتشار فيروس أنفلونزا الخنازير إلى الدرجة الخامسة، وهي الدرجة السابقة لإعلان حالة الوباء العالمي وعدم إمكان احتواء هذا الفيروس إلى الحديث عن ضرورة وجود حقيقي وفعلي لإدارة أزمات وكوارث قادرة على التخطيط المسبق والتنبؤ بالكوارث المحتملة والتفاعل مع الكوارث المحيطة بنا والتنسيق مع جميع الأطراف من اختصاصيين ومتطوعين إضافة إلى التدريب المستمر وتعريف الجميع بمن فيهم الجمهور بمسؤولياتهم. والدافع إلى ذلك أننا قد نتعرض لكوارث طبيعية أو انتشار أمراض قاتلة أو عمليات إرهابية على مستوى واسع فيجب أن نكون جاهزين. وأتذكر عندما كتبت عن خطة الطوارئ الاستراتيجية السعودية، تكرم بعض المسؤولين بالاتصال ليطمئنوني إلى أنهم يملكون الخطط الجاهزة للتعامل مع الكوارث والطوارئ، وقد سألتهم جميعا هل ستكون تلك الخطط معلنة ومنشورة أمام الجميع مع وجود لوحات يراها الجميع وأماكن عامة محددة للتجمع أو الحماية في بعض المدارس أو المساجد وتكون مجهزة للاستقبال لكي يتم تخزينها في العقل الباطني للسكان. كان جوابهم بالنفي، فأدركت أن تلك الخطط مصيرها الفشل، إذ كيف تتم مساعدة وإنقاذ الناس في أوقات حرجة وهم لم يتعاملوا مع هذه الخطط سلفا ولم يتم عمل تدريبات لهم، مع حتمية وجود ضعاف النفوس واللصوص والمحتالين الساعين إلى الاستفادة من تلك الأوضاع. وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن تعم العالم أنفلونزا شبيهة بتلك التي ضربت العالم من قبل وتسمى عندنا بسنة الرحمة وسمعت الكثير من والدي عن أهوال تلك السنة، إذ انتشر وباء الأنفلونزا الإسبانية أكثر الانفجارات الفيروسية المسجلة تدميراً للإنسانية مخلفاً ملايين القتلى في أعنف مواجهة بين الإنسان والفيروسات المرضية، حتى إنها تجاوزت بمراحل أعداد القتلى في الحربين العالميتين معا، وسببت حالة من الفزع بين البشر حول العالم أجمع، جراء حالات الوفاة التي صاحبت انتشار الوباء إلى الحد الذي جعل العديد من الناس يتخيلون أن العالم أوشك على الفناء. ظهرت الأنفلونزا الإسبانية في معسكر الجيش في ولاية كانساس الأمريكية، وذلك في 1918، ثم انتقلت إلى أوروبا عن طريق القوات الأمريكية، حيث تفشى قبل أن يتوقف عند مستهل فصل الخريف جاعلا منه مرضا فتاكا غير اعتيادي، ثم انتشر حول العالم وعاد ثانية إلى الولايات المتحدة حيث قتل مئات الآلاف من الأمريكيين عام 1919 وظل منتشرا حتى مطلع عام 1920. وقد تعرض كل شخص على الأرض تقريبا إلى هذا المرض وحسب أحدث دراسة فقد قُدر عدد الوفيات بهذا المرض آنذاك ما بين 50 و100 مليون.لم تكن هجمة الأنفلونزا الإسبانية مميتة فقط ولكنها ظهرت أيضا بشكل اختياري حيث لوحظ أن العدوى تنتقل إلى الشباب من ذوي الصحة الموفورة دوناً عن ذوي الصحة والمناعة الضعيفة مثل الشيوخ والأطفال الصغار. وانقلبت التقسيمات العمرية للفيروس ولا عجب أن الناس اعتقدوا أن النظام الاجتماعي بدأ في الانهيار، فقد كان على مقربة من ذلك. ومنذ ذلك الحين ظهر التطور في علم الميكروبات، ما زاد من العلوم الطبية، التي تؤكد عدم إمكانية حدوث هذا مرة ثانية مع العلم أن الأنفلونزا الإسبانية مماثلة جينيا لأنفلونزا الطيور.وعلى ذلك فأنفلونزا الخنازير التي ما زالت في بداياتها هي إحدى حلقات سلسلة طويلة من المآسي والدمار، وقد نشرت مجلة لانسيت الطبية دراسة مؤداها أن وباء الأنفلونزا من ذلك النوع الذي اجتاح العالم خلال عامي 1918 و1919، قد يقتل 62 مليون شخص إذا حدث في الوقت الحاضر، 96% من هذه الوفيات ستحدث في البلدان النامية. وقد استعانت هذا الدراسة بسجلات الوفيات الموجودة في الدوائر المختصة خلال فترة الأنفلونزا الإسبانية للتنبؤ بما قد سيحدثه هذا الوباء في وقتنا الحاضر. ومثل هذه الدراسات الحديثة لا تعتمد على التخمينات، إذ تقوم على إحصاء معدلات الولادة والوفاة في الأماكن التي تعتمد على سجلات جيدة لغرض تقدير ماذا يمكن أن يحدث في مجتمعات أكبر من هذه التي أخذت منها الإحصاءات، أي مجتمعات القرن القادم الأكثر سكاناً وربما الأفضل مستوى.والإصابة بأنفلونزا الخنازير ليست بالشيء الجديد، ففي عام 1976 أصيب بها 240 شخصاً داخل إحدى القواعد العسكرية بالولايات المتحدة (Fort Dix)، توفي منهم شخص واحد، والذي يخشاه العلماء بسبب تعرض الخنازير للإصابة بفيروس الأنفلونزا إلى جانب أنفلونزا الطيور، والأنفلونزا البشرية، أن تتمكن هذه الفيروسات من تبادل الشفرات الوراثية أثناء تواجدها معاً في نفس الحيوان، لينتج حينها فيروس خارق، يعجز جهاز المناعة البشرية عن وقف تأثيره المدمر على المجاري التنفسية والرئتين، ولعل هذه الأمور توضح ما قامت به المكسيك وأمريكا وأوروبا من إجراءات صارمة لمواجهة أنفلونزا الخنازير وترمي إلى تصعيد حملتها لمواجهة فيروس أنفلونزا الخنازير.أخيراً إنني أرجو جميع المسؤولين عدم انتظار حدوث الكوارث أو انتشار الأوبئة لكي نكوّن اللجان ويطلق بعض المسؤولين التطمينات غير الدقيقة التي تشير إلى أن الوضع مطمئن وأنه تحت السيطرة فيما يكون الواقع عكس ذلك. وبحسب رأي خبراء الإدارة فإن أي فريق عمل يحتاج بين سنة وسنتين لكي يكون فريقاً متجانساً كما يجب أن تكون لديه الإمكانيات والتدريب المستمر ويتمتع بشفافية عالية لإدارة الكوارث. ختاماً نحتاج إلى مركز رئيسي لإدارة الكوارث والأزمات ومراكز في جميع الإمارات مع إيجاد فريق عمل ينسق ويعمل مع جميع الأطراف الداخلية مثل اللجنة الوطنية العلمية للأمراض المعدية والمراكز المحلية وجميع مراكز إدارة الكوارث العالمية. فنحن في عالم متشابك والكوارث قد تأتي لا محالة، ولا مجال وقتها للأمان الزائف، ولنا في العديد من الدول المجاورة عبرة، فعلى رغم التطمينات التي أطلقها مسؤولون مصريون فقد هددت منظمة الصحة العالمية بإعلان مصر مصدرا خطرا لأنفلونزا الطيور، ما قد يؤدي لفرض حظر جوي عليها، تكون له آثار مدمرة على الاقتصاد.
حقوق الطبع © محفوظة لصحيفة الوطن 2007
window.print();

0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
روابط هذه الرسالة:
إنشاء رابط
<< الصفحة الرئيسية